صحــــتك

زرع الأعضاء.. هل تتغير شخصية المريض بعد هذه العملية؟

الصورة
الدكتور عامر شيخوني
مخطط عملية زرع القلب
هل تتغير شخصية المريض وذكرياته بعد عملية زرع القلب؟

هل تتغير شخصية المريض بعد زراعة الأعضاء؟ كثيرًا ما تُثار مسألة حدوث تغيرات في مشاعر وذكريات وأفكار وشخصية المريض بعد أن يتلقى عضوًا جديدًا في عملية زرع الأعضاء من متبرعين متوفين حديثًا، خاصة إذا كان العضو المزروع هو القلب الذي ارتبط دائمًا بالعواطف والمشاعر والذكريات منذ أيام البابليين، فهل هذه الانطباعات صحيحة؟

نظرة عامة لعمليات زراعة الأعضاء وعلاقتها بتغيير شخصيات المستقبلين

أُجريت في العالم سنة 2021 نحو 144،000 عملية زرع الأعضاء، منها أقل من 8200 عملية زرع قلب. يتعرض المرضى الذين يخضعون لمثل هذه العمليات الجراحية الكبيرة إلى ضغوط جسمية ونفسية واجتماعية كبيرة، تؤدي في كثير من الأحيان لحدوث تغيرات في شخصياتهم من النواحي النفسية والذهنية والعاطفية، وقد نُشرت بعض الدراسات في مجلات علمية وصَفت تغيرات مهمة في شخصية المرضى بعد عمليات زرع القلب بشكل خاص، وذَكرت هذه الدراسات اكتسابهم صفات كانت موجودة لدى المتبرع ولم تكن موجودة لدى المريض قبل عملية زرع الأعضاء. لم تكن هذه التغيرات محصورة لدى المرضى الذين تلقوا قلوبًا جديدة، بل ذَكرت حدوث تغيرات الشخصية أيضًا لدى مرضى بعد عمليات زرع أعضاء أخرى مثل الكلية والكبد.

قام باحثون في جامعة كولورادو بأمريكا بدراسة تغيرات في شخصية المرضى بعد عمليات زرع الأعضاء من متبرعين متوفين حديثًا في محاولة لكشف نسبة حدوث هذه التغيرات، ومعرفة نوعيتها، خاصة بعد عمليات زرع القلب، ومقارنتها بتغيرات في شخصية المرضى بعد عمليات زرع أعضاء أخرى. فهل حدوث مثل هذه التغيرات الشخصية مسألة منتشرة بعد عمليات زرع الأعضاء؟ وما هي أنماط هذه التغيرات؟ وما هي أسباب حدوثها؟ وهل تحدث بالفعل بعد عمليات زرع القلب أكثر من حدوثها بعد عمليات زرع الأعضاء الأخرى؟

دراسات سابقة عن زراعة الأعضاء وتغيير شخصيات المستقبلين

نُشرت دراسة سويدية عن تغيرات الشخصية على مدى سنتَين لدى 35 مريضًا أُجريت لهم إما عملية زرع القلب أو الكلية. سَجَّلت هذه الدراسة حدوث بعض التغيرات دون ملاحظة فروق مهمة في تغيرات الشخصية لدى هؤلاء المرضى. كما بحثَت دراسة نمساوية في التغيرات الشخصية لدى 47 مريضًا بعد ثلاثة أشهر من عملية زرع القلب، ووجَد الباحثون أن 21% من المشاركين قد ذكَروا حدوث تغيرات في شخصيتهم، بينما لم يحدث ذلك لدى 79% منهم.

كما نُشرت دراسة أمريكية عن التغيرات النفسية لدى 43 مريضًا أجريت لهم عملية زرع القلب، ذَكر منهم 68% حدوث اضطرابات عاطفية، وحدوث ضعف جنسي لدَى 45% منهم، وتغيرات دماغية عضوية لدى 37% منهم، وحدوث مشكلات عائلية أو زوجية لدى 25% من المشاركين. أرجَعت تلك الدراسة أكثر هذه التغيرات إلى استخدام أدوية مناعية للسيطرة على رفض العضو المزروع.

ما هي تغيرات الشخصية التي ورد ذِكرها في دراسات علمية سابقة بعد عمليات زرع الأعضاء ؟

سردَت دراسات سابقة حدوث تغيرات كثيرة في شخصية المريض بعد عملية زرع الأعضاء، مثل تغيرات في تفضيل بعض الأطعمة، أو الموسيقى، أو الفنون، أو الجنس، أو الترفيه، أو نوع المهنة. ذكَر بعضهم حدوث تغيرات في الذاكرة، ونشوء مشاعر جديدة مثل البهجة والتفاؤل والتفاعل الاجتماعي، وتحسّن مهارات الإدراك، والشعور بتجارب روحية ودينية جديدة. كانت أكثر هذه التغيرات محايدة أو إيجابية، غير أن نحو 30 – 50 بالمئة من المرضى بعد عملية زرع القلب ذكَروا حدوث تغيرات عاطفية، أو تغيّر في كيفية إحساسهم بصفاتهم البدَنية، بينما ذكَر آخرون حدوث نوع من الهذيان، أو الاكتئاب، أو القلق، أو الذهان، أو الضعف الجنسي.

 

ذُكِرت حالات في منشورات أدبية وإعلامية عامة بشكل تقارير عن حالات منفردة حدثَت لها بعد عملية زرع القلب تغيرات في التذوق والسلوك تماثل تلك التي كانت موجودة لدى المتبرع، أو حالة تذكَّر فيها المتلقي لقلبٍ جديد صفات وأحوال المتبرع، كما وصَف بعض الذين أُجريت لهم عمليات زرع القلب شعورهم بتذكّر أمور ومشاعر وأحلام ليست لهم علاقة بها، بل كانت تتعلق بالمتبرع.

ما هي أسباب حدوث تغيرات الشخصية بعد عملية زرع الأعضاء ؟

هناك فرضيات كثيرة لتفسير التغيرات في الشخصية التي يصِفها بعض الذين أجريت لهم عمليات زرع الأعضاء، ويمكن تلخيص هذه الأسباب في ثلاث فئات:

1– الفرضية النفسية، أي أن الاستعداد النفسي لدى بعض المرضى الذين يخضعون لعمليات زرع الأعضاء وسماتهم النفسية هو الدافع وراء حدوث أوهام تتعلق بالمتبرع. وربما يَرجع ذلك إلى لجوء المتلقي لاستخدام آليات دفاع نفسي غير مباشرة للتعامل مع الضغوط والتوترات التي ترافق عمليات زرع الأعضاء، خاصة لدى الأشخاص الذين يؤمنون بالسحر والقصص الخيالية.

2– الفرضية العضوية التي تستند إلى قدرة العضو المزروع على تخزين ذكريات أو سمات شخصية تنتقل معه إلى المتلقي، أي وجود انطباعات مادية عضوية في الدماغ وفي بعض الأعضاء الأخرى في الجسم تقوم بعملية نقل الذكريات والسمات الشخصية بنوع من "ذاكرة الخلايا" بشكل تغيرات عضوية ربما تشمل المادةَ الوراثية والحموض النووية، أو البروتينات، أو ربما من خلال الأعصاب الموجودة داخل القلب التي تَستخدم ناقلات كيميائية مماثلة للناقلات الكيميائية التي يَستخدمها الدماغ، وربما تقوم أعصاب القلب بتخزين سمات شخصية تتعلق بالذاكرة والشخصية.

3– الفرضية الكهرومغناطيسية التي تفترض حدوث تغيرات في المجال الكهرومغناطيسي لجسم المتلقي بعد عملية الزرع، وتفترض أن بعض الذكريات والسمات الشخصية يتم تخزينها في مجال الطاقة في جسم المتبرع، وتنتقل مع العضو المزروع إلى المتلقي.  

 

محدودية نتائج الدراسات السابقة عن تغيرات الشخصية بعد زرع الأعضاء

معظم الدراسات العلمية في هذا المجال محدودة بسبب قلة عدد المشاركين، وعدم وجود مجموعة مقارنة، وإجراء هذه الدراسات بشكل تقييم ذاتي، وعدم وجود دراسات كثيرة عن هذه التغيرات بعد عمليات زرع أعضاء أخرى غير القلب.

دراسة جديدة لتتبع نتائج تغيرات الشخصية بعد عمليات زرع الأعضاء

في 17 يناير 2024، نَشرت المجلة العلمية المحكَّمة علم زراعة الأعضاء Transplantology دراسة لحالات 47 مشاركًا، خضع منهم 23 مريضًا لعملية زرع القلب في أمريكا، بينما خضع 24 مريضًا لعمليات زرع أعضاء أخرى. أجاب جميع المشاركين على استبيان مفصل أُرسِل لهم على الإنترنت. وأظهَرت الدراسة الإحصائية لنتائج الاستبيان ما يلي:

  • ذكَر 89% من المشاركين حدوث تغيرات نفسية وعاطفية لديهم بعد عملية زرع الأعضاء، وكانت هذه النسبة أعلى من الدراسات السابقة، ولكنها كانت نسبة متماثلة بعد عملية زرع القلب أو بعد زرع غيره من أعضاء الجسم. وربما كانت هذه التغيرات بسبب الإجراءات الجراحية في حد ذاتها، وليس بسبب انتقال بعض الذكريات والسمات الشخصية التي ترتبط بالعضو المزروع.
  • كان الفارق الوحيد الذي وصَل إلى درجة الأهمية الإحصائية بين الذين خضعوا لعملية زرع القلب والذين خضعوا لعملية زرع أعضاء أخرى غير القلب هو حدوث تغيّر في كيفية إحساسهم بصفاتهم البدَنية. لم تسجِّل الدراسة وجود أي فروق مهمة بين فئات المشاركين من ناحية تغيرات المشاعر، وتذوق أنواع الطعام، والاهتمام بالرياضة، وممارسة التمارين، والشهور بالهوية والانتماء، وتفضيل الأفلام وبرامج التلفزيون، والمعتقدات الروحية والدينية، والرغبات الجنسية، والذكريات، وتذوق الفنون والألوان والموسيقى، والآراء السياسية ...
  • سُجِّل حدوث تغيّر في الذكريات لدى 8.7% من المرضى بعد زرع القلب، بينما حدث ذلك لدى 20.8% من المرضى بعد عمليات زرع أعضاء أخرى غير القلب، ولم يكن هذا الفرق مهمًّا من الناحية الإحصائية ربما بسبب قلة عدد المرضى في العينة الإحصائية المدروسة.

 

ختاماً, قبل الوصول إلى استنتاجات حاسمة في دراسة هذه الظاهرة المعقدة؛ يجب القيام بدراسات مستقبلية بمشاركة عدد أكبر من المرضى، وتقييم حالتهم بمقابلات مباشرة من جهة مختصين، وليس بوسائل غير مباشرة من خلال إجاباتهم الذاتية على استبيانات. وكذلك القيام بمثل هذه الدراسات على مرضى ممن يتلقون أعضاء من متبرعين أحياء لكي يمكن إجراء متابَعة ومقارَنة موضوعية أفضل.

آخر تعديل بتاريخ
22 مايو 2024
Consultation form header image

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك الآن

 

  • ابحث على موقعنا عن إجابة لسؤالك، منعا للتكرار.
  • اكتب بريدك الإلكتروني الصحيح (الإجابة ستصلك عليه).
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • لن يتم إظهار اسمك عند نشر السؤال.

 

Age gender wrapper
Age Wrapper
الجنس
Country Wrapper

هذا الموقع محمي بواسطة reCaptcha وتنطبق عليه سياسة غوغل في الخصوصية و شروط الخدمة

This site is protected by reCAPTCHA and the GooglePrivacy Policy and Terms of Service apply.